كيف تستولي على مشاعر عملاءك؟ بناء الأوتار العاطفية في الإعلان
دكتور طلعت أسعد عبد الحميد أستاذ التسويق والإعلان - كلية التجارة – جامعة المنصورة tasaad_dr@yahoo.com
عزيزي القارئ: في الجزء الماضي من هذه المقالة تعرّفنا مع خبير التسويق العربي الدكتور طلعت أسعد عبد الحميد على ماهية الأوتار الإعلانية وعلى أهمية إدراك المسوّق والمعلن لطبيعة الاقتصاد العاطفي الذي نعيش فيه وضرورة التعامل معه بالأدوات الملائمة والتصوّرات الصحيحة. ونتابع معكم الآن ما وصلنا إليه في استكشاف أهم جوانب استخدام المشاهير إعلانياً، وكذلك نتناول استخدام الخوف في الرسالة الإعلانية.
ما الذي يجعل الشخصية المشهورة شخصية إعلانية مؤثرة؟ من الضروري أن تكون هناك علاقة متكاملة بين الشخصية المشهورة والمشاهد والمنتَج. ومثالاً على ذلك نرى قيام شركة سيراميك الجوهرة باستخدام الصورة الذهنية المميّزة للممثل العالمي عمر الشريف والممثلة القديرة يسرا في الإعلان عن البورسلين كأحد المنتجات المستخدمة لدى الطبقات العالية. و كذلك نرى: اختيار الممثلة القديرة عبلة كامل للتعبير عن الأسرة الكادحة في إعلانات صابون بيرسيل، واختيار المطرب هشام عباس للتعبير عن الشباب والمرح والصيف في إعلان بيبسي، والحركة في نفس الاتجاه عند استخدام عمرو دياب وديانا حداد، ولجوء شركة كوكا كولا إلى مجموعة من مشاهير الكرة العالميين للارتباط بالشباب عبر أنحاء العالم، واستخدام شركة يونيليفر الفنانة الشابة مني زكي للإعلان عن صابون لوكس، وعمرو دياب للإعلان عن الشامبو، واختيار شركة Sprint لخدمات التليفون الموفق للنجم قوي البنية Bergen وذلك لتميِّزَ نفسها بالقوة عن باقي الشركات المنافسة بغية خلق صورة لنفسها على أنها المنافس القوي الذي لا يهزم، وكان Bergen هو نجم مسلسل تليفزيوني ناجح يعبر عن القوة.
كما إن استخدام شخصية تلفزيونية وسينمائية محبوبة جداً للأطفال يمكن أن يزيد مستلزمات الأطفال وبعض الأغذية كالمربى والحلويات والشيكولاته .. إلخ , ومن الضروري أن ترتبط ملامح الشخصية المرحة الممتعة خفيفة الظل مع دعم الحالة المزاجية المرحة التي يرغبها الآباء لأبنائهم عند التعامل مع المنتج.
كيف يمكنك اختيار الشخصيات المشهورة لتقديم منتجاتك في السوق؟ يتم اختيار الشخصيات المشهورة لتقديم الإعلانات وفقاً لمعايير معيّنة يضعها المعلنون ووكالات الإعلان, ويساعدها في ذلك إعداد استبيان مكتوب للأطراف المعنيّة حولَ قبول النجم وارتباطه بالموقف الإعلانيّ.
من خلال مجموعة من الأسئلة تُحدّد ملامح الشخصية المستخدمة في الإعلان:
1- الألفة والشعبية، مدى ألفة الشخصية وتقبلها من أكبر عدد من المتعاملين من الضروري أن تكون شعبية النجم عالية في نفوس الناس فالمسألة ليست مجرد انتشار، ولكنّها مسألة توفّر مكان داخل عقول وعواطف الناس للتأثير من جانب الشخصية المشهورة دون عناء. فأن يكون النجم معروفاً لا يعني بالضرورة أنّه مقبول. وقبوله العام لا يقتضي أن يكون مقبولاً بالضرورة في مجال معيّن. فعلى سبيل المثال أوضحت دراسة لأحد الممثلين المشهورين أنه معروف بنسبة 95% باعتباره من الوجوه المألوفة ولكن نسبة قبوله لدى المتعاملين لم تتعدَّ 45%.
2- السمعة: من الضروري أن يكون النجم بعيدا عن الشبهات في الأجل الطويل ويدلّ تاريخه وخلقه على ذلك.
3- القدرة على عرض المضمون بطريقة تتوافق مع المنتَج ومع المستهلك.
4- المصداقية: فمصداقية الشخصيّة المشهورة أمرٌ مطلوبٌ لنقل عوامل الصدق إلى المشاهدين. وأن يكون النجم محل ثقة واحترام وأن يكون خبيراً في مجاله هي من أهم العوامل. وهذه الشخصيات ذات المصداقية هي الأقدر علي إقناع المستهلك والتأثير عليه لشراء المنتج. والمثال على ذلك هو اختيار عبلة كامل للإعلان عن بيرسيل وذلك لشخصيتها الموثوق بها والمعبِّرة.
المصداقية هي القابلية للتصديق والثقة في شخص ما. وحينما يكون مصدر المعلومات المتمثل في الموديل المعلِن يتسم بالمصداقية فإنّ هذا المصدر من شأنه تغيير المواقف من خلال عملية نفسية تسعى إلى إضفاء الصفة الذاتية عندما يتقبّل المستقبل دور الشخصية المشهورة في قضية ما, وعادة ما تستمر عملية إضفاء الصفة الذاتية حتّى بعد أن تغيِّر الشخصيّة دورها.
ومن سمات المصداقية صفتان هما الخبرة والجدارة بالثقة. تشير الخبرة إلى المعرفة والتجربة والمهارات التي تملكها الشخصية عند الاتصال بها. ومن هنا يعتبر لاعبو الكرة والرياضيون خبراء في عرض المنتجات الرياضية، والأطباء في عرض ما يتعلق بالصحة، والممثلات فيما يتعلق بالأزياء وسلع الجمال. والشخصية ذات المظهر الخبير في الإعلان تكون أقدر على الإقناع.
5- الجدارة بالثقة: يستثمر المعلنون قيمة استحقاق الثقة عن طريق اختيار شخصيات تتسم بالأمانة والمصداقية والاستقلالية بما يشير إلى استحقاق الثقة من معايير الأمانة والشرف وتصديق المصدر. وتعتمد الثقة في الشخصية المعلِنة على مفهوم الناس عن الشخصية المستخدمة في الإعلان وعن دوافعها. فإذا شعر الناس بأن الموديل المعلِن تدفعه اهتماماته ومنافعه الخاصة فسوف يكون أقل إقناعاً من ذلك الشخص الذي يرى الناس أنه يعلن عن المنتج لأهداف موضوعية. ويفسر ذلك نجاحَ اللاعب محمود الخطيب في عملية الإعلان لأنه ببساطة يتسم بكونه من الأفراد الموثوق فيهم.
6- ارتباط الشخصية مع المشاهد: من الضروريّ أن ترتبط الشخصية من حيث السن والنوع والطبقة الاجتماعية مع المشاهد. وذلك مثل ارتباط عمرو دياب وهشام عباس بنوعية المستهلكين من الشباب في الإعلان عن بيبسي. وأثبتت إحدى الدراسات أن التناغم بين المتحدث عن المنتج والمشاهد المتشابه معه يشكل أهمية خاصة عندما يكون المنتَج أو الخدمة موضع الإعلان، إذ لا يتجانس المشاهدون في ضوء ذوقهم والصفات التي يفضلونها. وعلى سبيل المثال يختلف الناس اختلافا كبيراً في ضوء ما يحبونه في الأطعمة والأفلام, ولهذا السبب يجب أن يكون المتحدث عن المنتج متشابها مع الجمهور حتّى يستطيع التأثير على مواقفهم واختياراتهم تأثيراً كبيراً. وعلى الجانب الآخر حينما تتجانس الاختيارات بين المشاهدين فإن التناغم بين الشخص المتحدث والجمهور المشابه لا يكون ذا أهمية كبيرة وبدلاً من ذلك يكون لخبرة المتحدث مع المنتج أو الخدمة التأثير الأكبر.
7- تعبير الشخصيّة عن منافع المنتج: أن تكون صورة الشخصية ونسقها القيَمي وذوقها ولياقتها مناسبة لتلك الصورة المرغوبة للمنتج. وذلك مثل تعبير المطرب عمرو دياب عن هيدز آند شولدرز شامبو للقشرة.
8- جاذبية الشخصية المشهورة ودورها في نقل جاذبية المنتَج للمشاهدين والقرّاء. ومن بين هذه الأشكال الصداقة والقبول والشكل والحضور الذي تعتبر من بين مفاهيم الجاذبية. وبالطبع ليست الجاذبية بمفردها هي التي تحمل على إنجاح الصنف، ولكن التناغم مع المشاهد أمر ضروري جداً. و ليست الجاذبية هي الجمال فقط وإن كان الجمال صفة مهمة جدا، ولكن هناك عوامل وصفات أخرى يجب أن تتوفر في الشخصية المستخدمة في تقديم وعرض الإعلان مثل: المهارات العقلية، والسمات الشخصية، وأسلوب الحياة.
وعادةً يتكوّن المفهوم العام للجاذبية من ثلاثة عناصر هي: التشابه في التصرف، والألفة، والقبول. إذا اتسم النجم بهذه الصفات فإنه يمكن اعتباره جذاباً. والتفسير العلمي لذلك هو أن الإقناع غالباً ما يحدث عندما يجد المستقبل شيئاً جذاباً في الشخصية المعلنة يجذب انتباهه ويجعله يتفاعل معه وجدانياً بطريقة عاطفية وهذا الإقناع يحدث عن طريق عملية ما يسمي بالاندماج العاطفي حيث يقتنع المستقبل بالشخصية كمصدر للجاذبية وعندئذ يندمج عاطفياً مع المنتجات المعلَن عنها ويكون مهيئا تماماً لتبني صفات الشخصية المستخدمة في الإعلان ويقلد سلوكياته في المرح والاستخدام واهتماماته والأشياء التي يفضلها.
9- الوسامة: دعمت الأبحاث هذه التوقعات التي أشارت إلى أن الشخصيات التي تتمتع بالجمال والوسامة أنتجت إعلانات أكثر قيمة وقدمت نجاحات لمنتجات عديدة. ومع هذا فإن الموديل الإعلاني الوسيم لا يشكّل بالضرورة إضافةً قيّمةً للمنتَج ما لم يكن هناك تناغمٌ بينه وبين المنتج الذي يقدمه، وهكذا فإنّ تقديم النجم منتجاً متعلقاً بالوسامة كأدوات التجميل أو الأزياء أو السيارات الفارهة قد يختلف عن تقديمه منتجاً مرتبطاً بالصحة والحاجة لرأي الخبير. ففي زيوت سيلا كان الخبير الطباخ هو الشخصية المقنعة للناس.
10- اعتبارات أخرى: هناك العديد من العوامل الأخرى التي تحدّد فاعلية الاستعانة بالشخصية المستخدمة في الإعلان في مقدمتها التكاليف. واحتمال تعرّض النجم لبعض المشكلات بعد الإعلان. و مدى صعوبة أو سهولة العمل مع هذا النجم . فضلاً عن تحديد واضح لمستوى قدرة النجم على التعبير عن مجموعة متعددة ومختلفة من الأصناف.
استخدام تأثير الخوف في الرسالة الإعلانية: تعمل الاتصالات التسويقية على توظيف العديد من الأساليب لدعم دافع تشغيل المعلومات لدى المستهلك. وتستخدم أوتار الخوف لتحريك دوافع المستهلك، ويحاول المعلنون دفع المستهلكين لاستخدام المعلومات واتخاذ موقف وذلك عن طريق استدعاء مظاهر الخوف وذلك عن طريق: 1) تجسيم العواقب السلبيّة لعدم استخدام المنتج المعلن عنه. 2) العواقب السلبيّة عند القيام بسلوكيات غير آمنة مثل القيادة تحت عوامل الخطر مثل السرعة الزائدة أو السْكر.
منطق استخدام الخوف: يستثير الخوف استجابة القارئ أو المشاهد من خلال الرسالة التي يقدمها، وبالتالي يخلق نوعا من القبول للموضوع الذي تدور حوله الرسالة. وتأخذ مظاهر الخوف أشكالا عدة مثل عدم القبول الاجتماعي أو وجود مخاطر نفسية أو جسدية .. فعلى سبيل المثال، بعض المنتجات مثل معجون الأسنان وغسول الأسنان ومزيلات رائحة العرق وبعض المنتجات الأخرى تستخدم مظاهر الخوف عندما تتضمن عدم القبول الاجتماعي الذي سوف نلاقيه إذا كان للفم رائحة غير مستحبة أو تعرضت أسناننا للتسوّس. ومن أشهر هذه الإعلانات ما قدمته كريست في إعلان يقدم مقارنة بين آلة حفر الأسنان وبين معجون الأسنان.
ويستخدم المعلنون أوتار الخوف من المخاطر الجسدية عند الإعلان عن بعض المنتجات، كقطع غيار السيارات، أو لدى التحذير من العلاقات الجنسية غير المشروعة، والسرعة الزائدة، وإعلانات محاربة التدخين والمخدرات.. والنموذج الواضح لاستخدام مشاعر الخوف هو إعلانات العناية بالصحة حيث يستخدم المعلنون في هذا المجال المنطق القائل بأننا أحيانا نحتاج أن نخيف الناس حتّى يعتنوا بحياتهم.
استخدام الكثافة المناسبة: بعيداً عن المناقشات التي دارت حول فاعلية استخدام الخوف فإن القضية الجوهرية أمام المعلنين هي تحديد الكثافة والشدة التي يقدّم بها الخوف. والتساؤل هو هل يقدّم المعلِن نسبةً طفيفة من مشاعر الخوف تعمل على لفتِ نظرِ المستهلك أم يقدِّم جرعة مكثفة من الخوف تمنع احتمالية فقدان المشاهد لأي نقطة من نقاط الرسالة؟
قام الباحثون السيكولوجيون والتسويقيّون بالعديد من الأبحاث في هذا المجال، ولكن ظلّت الحقيقة هي أنّه لا يوجد علمٌ قاطع تام بالمستوى الأقصى للخوف. وقد قرر بعض الدراسات أن مستويات الخوف المتوسطة أكثر فاعلية من مستويات الخوف المتدنية جداً أو العالية جداً.
وفي محاولة للتوفيق بين هاتين النتيجتين توصل باحثان في مجال التسويق إلى نتيجة ختامية هي أن الاختلافات في نتائج البحثين ترجع إلى الاختلاف في تعريف درجات الخوف المرتفعة والمعتدلة والمنخفضة التي توظف عند الدراسة وقد لخصت الدراسة ما توصلت إليه الأبحاث الأولى في هذا المجال.
درجات الخوف القصوى ودرجات الخوف المتدنية ليست مؤثرة ويبدو أن مستويات الخوف المعتدلة هي الفعالة والأفضل، وهناك تفسير لهذا هو أنه إن كان مظهر الخوف ضعيفاً جداً فإنّه لا يلفت الانتباه بالقدر الكافي، وأما إن كان قوياً للغاية فإنّه ربما يدفع الناس إلى تجنّب الرسالة وتجاهلها.
ولشرح العلاقة بين كثافة الخوف والقضية المطروحة لنقارن حملة دعاية تعتمد على مستويات منخفضة من الخوف وهي حملة إطارات Michelin مع حملة الدعاية المعتمدة علي مستويات عالية من الخوف وهي حملة تقليص حوادث القيادة أثناء السُكر.
احتوت حملة الدعاية لإطارات Michelin على حلقات من الإعلانات التليفزيونية التي تعرض بعض الأطفال يجلسون حول إطار السيارة وتحملُ هذه الإعلانات مستويات منخفضة من الخوف تذكّر الآباء بشراء إطار السيارة هذا لسلامة أطفالهم.
لنضع في اعتبارنا مقدار الخوف المطلوب عند طلاب المدارس والشباب الآخرين الذين يشكلون هدف الإعلانات الساعية إلى تقليص حالات القيادة تحت تأثير الكحول. فالشيء الوحيد الذي يرفض أن يسمعه هؤلاء الناس هو ما يجب أو لا يجب أن يفعلوه ومن هنا نرى أنه على الرغم من أن السلامة تهم كل الأفراد فهي أقل أهمية عند الشباب، وبالتالي نحتاج إلى مستويات أعلى من الخوف للتأكيد على المخاطر التي يضع فيها الشباب أنفسهم عند القيادة تحت تأثير الكحول.
|